محمود توفيق محمد سعد
301
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وزيادة على هذا لا يراد الإشارة إلى نعت متعلق بالزمان الذي يقع فيه الإرضاع من سعة نعمة أو ضيقها حتى لا يفهم أن الحكم متعلق بتلك الصفة من سعة أو ضيق وهذا من كمال حماية المستمع للبيان القرآني أن يفهم من البيان غير ما يراد منه ، ومثل هذا عند فقهاء البيان من أصول البلاغة : ألا يؤتى السامع من سوء سوء إفهام الناطق « 1 » * * * وجاء البيان بكلمة ( حول ) في السورة نفسها ( ي : 240 ) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة : 240 ) والبقاعيّ في هذه الآية لم يذكر شيئا من عنده ، مكتفيا بالنقل عن " الحرالّيّ " مبيّنا وجها من حكمة جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا مستكملة بحول ، وأنّ الآية ليس فيها نسخ ووجه الحكمة بجعل فاصلتها وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 2 » * * * وجاء البيان بكلمة " حجة " في آية من سورة القصص : قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( القصص : 27 ) يبيّن البقاعيّ وجه التأكيد في ( إنّي ) ووجه البيان بكلمة ( أنكحك ) ووجه الإشارة بقوله : ( هاتين ) ، ووجه جعلها ثماني حجج ، ثم ينظر في اصطفاء كلمة حجج دون غيرها من الكلمات المقاربة من نحو سنة أو عام أو حول فيقول : " والتعبير بما هو من الحجّ الذي هو القصد تفاؤلا بأنّها تكون من طيبها بمتابعة أمر اللّه سبحانه وتعالى وسعة رزقه وإفاضة النعمة ودفع النقمة أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كلّ واحدة منها إلى بيت اللّه الحرام " « 3 » يستحضر " البقاعي " من مادة الكلمة ( حجج ) معنى القصد الذي هو الأساس القائم في تصرفاتها ، وما اكتسبه هذا المعنى من الوضع الشرعي لكلمة ( حج ) وإغراء بأن يكون هذا مما يجتهد في القصد إليه
--> ( 1 ) - البيان والتبيين للجاحظ : 1 / 87 - ت : هارون ( 2 ) - نظم الدرر : 3 / 378 - 381 ( 3 ) - السابق : 14 / 269 - 270